جلال الدين السيوطي
8
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
الدّقيش الأعرابيّ ، وقد أخذ الخليل أيضا عن هؤلاء ، واختلف إليهم « 1 » ، وكان أبو زيد أحفظ الناس للغة بعد أبي مالك ، وأوسعهم رواية ، وأكثرهم أخذا عن البادية « 2 » . وقال ابن مناذر : كان الأصمعيّ يجيب في ثلث اللغة ، وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها ، وكان الأصمعيّ يجيب في ثلثيها ، وكان أبو مالك يجيب فيها كلّها . قال أبو الطيب : وإنّما عنى ابن مناذر توسّعهم في الرواية والفتيا ؛ لأنّ الأصمعيّ كان يضيّق ولا يجوّز إلا أصحّ اللغات ، ويلجّ في ذلك ، ويمحك ، وكان مع ذلك لا يجيب في القرآن وحديث النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) فعلى هذا يزيد بعضهم على بعض « 3 » . قال : وكان الأصمعيّ أتقن القوم للغة ، وأعلمهم بالشعر ، وأحضرهم حفظا ، وكان أبوه قد رأى الحسن وجالسه ، وكان تعلّم نقد الشعر من خلف الأحمر . أخبرنا جعفر بن محمد أخبرنا علي بن سهل أخبرنا أبو عثمان الأشناندانيّ أخبرنا الثوريّ ، قال : خرجت إلى بغداد ، فحضرت حلقة الفرّاء ، فرأيته يحكي عن الأعراب ويمثّل بشواهد ما كان أصحابنا يحفلون ببعضها ، فلما أنس بي قال : ما فعل أبو زيد ؟ قلت : ملازم لبيته ومسجده وقد أسنّ . فقال : ذاك أعلم الناس باللغة وأحفظهم لها . ما فعل أبو عبيدة ؟ قلت : ملازم لبيته ومسجده على سوء خلقه . فقال : أما إنّه أكمل القوم وأعلمهم بأيام العرب ومذاهبها . ما فعل الأصمعيّ ؟ قلت : ملازم لبيته ومسجده . قال : ذاك أعلمهم بالشعر وأتقنهم للغة وأحضرهم حفظا . ما فعل الأخفش ؟ يعني سعيد بن مسعدة . قلت : معافى تركته عازما على الخروج إلى الريّ . قال : أما إنّه إن كان خرج فقد خرج معه النحو كلّه والعلم بأصوله وفروعه . قال أبو الطيب : ولم ير الناس أحضر جوابا وأتقن لما يحفظ من الأصمعيّ ، ولا أصدق لهجة ، وكان شديد التألّه ؛ فكان لا يفسّر شيئا من القرآن ، ولا شيئا من اللغة له نظير أو اشتقاق في القرآن ، وكذلك الحديث تحرّجا ، وكان لا يفسّر شعرا فيه هجاء ،
--> ( 1 ) مراتب النحويين : 70 - 71 . ( 2 ) المصدر نفسه : 73 . ( 3 ) المصدر نفسه : 73 .